أخبار

8 يَنَايَرْ 2018

بعد ثلاث سنوات على مأساة شارلي إيبدو، لا يزال عشرات الصحفيين مهددين بالقتل بسبب "التجديف"

في عام 2018، لا تزال الكتابة أو الحديث عن الدين مسألة حساسة للغاية.
عشية الذكرى السنوية الثالثة لمجزرة شارلي إيبدو، تستنكر مراسلون بلا حدود ما يتعرض له عشرات الصحفيين عبر العالم من تهديدات بالقتل أو مواجهة عقوبة الإعدام بتهمة "التجديف" أو "الردة".

لا تزال الكتابة أو الحديث عن الدين مسألة حساسة للغاية إلى حد يجعل حياة الصحفيين معرضة للخطر. فبعد ثلاث سنوات من مقتل اثني عشر شخصاً بمقر أسبوعية شارلي إيبدو في باريس، لا يتوانى دعاة الرقابة باسم الدين عن إشهار أسلحتهم في وجه من يجرأ عن الكلام في هذا الشأن، حيث لا يزال ذلك يشكل أحد أخطر أنواع التهديد التي تطال حرية الإعلام في جميع أنحاء العالم. ففي مختلف قارات المعمورة، تُطلق دعوات القتل ضد الصحفيين المتهمين بالتجديف عبر شبكات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع. وبينما تشهد فرنسا نداءات متكررة من بعض مستخدمي الإنترنت المجهولين للدعوة إلى ارتكاب مزيد من الهجمات ضد موظفي شارلي إيبدو، سُجلت في بنغلاديش دعوات لشنق شيامال دوتا، رئيس تحرير صحيفة بهورير كاغاج، وبقية زملائه أمام الملأ. وفي 23 ديسمبر/كانون الثاني الماضي، نُشر مقال حول كتاب عن الأحاديث النبوية - من إصدار جهة حكومية - حيث انهالت الانتقادات من كل حدب وصوب على الكاتب وزملائه بتهمة إطلاق تعليقات "مبتذلة" على كلام الرسول.

وفي باكستان، يهدد المتطرفون الدينيون الصحفيين والمدونين وسط إفلات تام من العقاب، مستغلين تسامح السلطات معهم، بل ويصل الأمر أحياناً حد القتل بالسواطير* أو الاختطاف، كما كان حال المدون سمر عباس، الذي اختفى في 7 يناير/كانون الثاني من العام الماضي بسبب كتاباته. فقد اختُطف مؤسس التحالف المدني التقدمي الباكستاني، الذي يدافع عن عدة قضايا من بينها الحرية الدينية من خلال مقالات منشورة على شبكة الإنترنت، شأنه في ذلك شأن أربعة مدونين آخرين انقطعت أخبارهم مطلع العام الماضي. فبعد اختفائهم، نُظمت حملة على شبكة الإنترنت بغرض تشويه سمعتهم، حيث اتُّهموا بالتجديف الذي يعاقب عليه بالإعدام في باكستان. وفي نهاية يناير/كانون الثاني 2017، أُطلق سراح أربعة من المدونين الخمسة، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على رفع دعوى ضد خاطفيه. وفي هذا الصدد، أفصحت أسرة أحدهم عن التهديدات التي تلقتها: "إنكم تستحقون الموت جزاءً لما تنطقون به من كفر. الدين الإسلامي ب��يء منكم. استعِدُّوا لعقاب شديد ستتذكره الأجيال طويلاً".

أما في الجزائر، فإن عبدو سمار، رئيس تحرير الموقع الاستقصائي "ألجيري بار"، وصحفيي برنامج "إيميسيون أمبوسيبل" باتوا يخشون على حياتهم بسبب الحملة التي شنتها ضدهم تيارات إسلامية متطرفة في أعقاب نقاش حول التعصب الديني بُث على قناة "بير تي.في" الخاصة بتاريخ 22 ديسمبر/كانون الأول الماضي، علماً أن قناة الجزيرة القطرية بثت شريط فيديو يُتهم فيه الصحفيون بالتهجم على الإسلام، مما أجج غضب دعاة التكفير. وقال عبدو سمار في تصريح له "إننا نواجه حملة شرسة من التهديدات والضغوط"، مضيفاً أن "المتطرفين يستغلون تلك الانتقادات لمهاجمتنا، وقد بدأت أُسرنا تخاف جداً على حياتنا".

وفي هذا الصدد، قال كريستوف ديلوار، الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود: "في العديد من الأماكن عبر العالم، يُعتبر مجرد الإبلاغ عن بعض الحقائق ضرباً من ضروب الردة"، مضيفاً أن "المتطرفين لا يكتفون فقط بقمع وتهديد رسامي الكاريكاتير، الذين يتعرضون لأشد أنواع العنف، بل إنهم يهاجمون حتى الصحفيين الذين يجرون تحقيقات في أمور الدين وغيرها من القضايا التي تهم المجتمع والحياة العامة"، موضحاً في الوقت ذاته أن "الخطوط الحمراء التي يضعها هؤلاء المتطرفون تتجاوز حدود المجال الديني". كما يؤكد ديلوار أن "ذريعة التجديف لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال مبرراً لوضع استثنائي لحرية الإعلام"، مذكراً بأن "ذلك يتنافى مع مضامين القانون الدولي، ولهذا نحن نطالب بإلغاء أي تقييد لحرية الإعلام باسم الدين في أي تشريع من التشريعات".

هذا وتظل شارلي إيبدو في طليعة المعركة غير المتكافئة بين الرقابة التي يفرضها المتطرفون من جهة والصحفيين الساخرين أو رسامي الكاريكاتير من جهة أخرى. فقبل شهرين فقط، وجدت هذه الصحيفة الأسبوعية الفرنسية نفسها وسط ضجة كبيرة بسبب محتوى صفحتها الرئيسية التي تطرقت إلى طارق رمضان، المختص في الشؤون الإسلامية المُتهم بالاعتداء الجنسي. فبسبب ظهور صورته مرفقة بعبارة "أنا الركن السادس للإسلام"، شُنت على شارلي إيبدو حملة عنيفة تخللتها العديد من الشتائم والإهانات والتهديدات بالقتل على الشبكات الاجتماعية، مما يكلف الصحيفة ثمناً باهظاً. ففي عددها الأخير، كشفت الأسبوعية الساخرة أن ما يزيد عن سعر نسخة واحدة من كل نسختين من المبيعات يذهب إلى الميزانية المخصصة للإجراءات الأمنية وحماية سلامة الموظفين والصحفيين الذين يعملون فيها، حيث أصبحت حرية التعبير "من منتجات الترف"، على حد قول ريس، رئيس تحرير شارلي إيبدو.

وفي هذا الصدد، يقول كريستوف ديلوار "إن التضامن مع شارلي إيبدو يظل واجباً أخلاقياً، بعد ثلاث سنوات على تلك المأساة"، مشدداً على "ضرورة الدفاع عن حياة موظفي الصحيفة واستمراريتها الاقتصادية، لأن شارلي إيبدو رمز لا يمكننا أن نتخلى عنه وإلا فإننا سنكون قد تقبلنا الهزيمة ضد التعصب الديني".

سبعون دولة مازالت تعمل بقوانين تجرم التجديف

إن دعوات القتل أو الانتقادات العنيفة المتعلقة بالتجديف أو الردة ليست حكراً على متطرفين مجهولين. ففي مطلع 2017، كانت 71 دولة لا تزال تعمل بقوانين تجرم التجديف. ومنذ صدور تقرير الوكالة الفيدرالية الأمريكية للحرية الدينية، التي أجرت هذا الإحصاء، حذفت دولة واحدة فقط (الدنمارك في يونيو/حزيران الماضي) هذا الحكم من تشريعاتها، بينما تخطط دول أخرى لتعزيز ترسانتها التشريعية بهدف تشديد العقوبات على المُدانين في قضايا التجديف، كما هو الحال في موريتانيا، حيث أضيفت مادة جديدة إلى المدونة الجنائية تنص على "عقوبة القتل" في حق من يسب الله أو الأنبياء.

وجاء في النص الذي اعتمدته الحكومة الموريتانية بتاريخ 16 نوفمبر/تشرين الثاني أن "كل مسلم ذكراً كان أو أنثى، استهزأ أو سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو ملائكته، أو كتبه، أو أحد أنبيائه، يقتل ولا يستتاب، وإن تاب لا يسقط عنه حد القتل". وقبل أربعة أيام من استصدار هذه المادة الجنائية الجديدة، تم تخفيف حكم الإعدام الصادر في حق المدون محمد ولد مخيتير - بسبب مقال اعتُبر مسيئاً للرسول – إلى عقوبة السجن لمدة عامين، علماً أن مثل هذا الإجراء التخفيفي لم يعد ممكناً الآن بسبب التعديل القانوني الأخير. وبينما كان من المفترض الإفراج عن ولد مخيتير بدءاً من 9 نوفمبر/تشرين الثاني، فإن السلطات مازالت تحتجزه في مكان سري، تحت ذريعة الحفاظ على سلامته. لكن عائلته تخشى أن يبقى خلف القضبان ريثما تنظر المحكمة العليا في قضيته، مع احتمال أن يقرر البرلمان جعل القانون الجديد بأثر رجعي...

الحكم بتهمة التجديف على اثنين من الفائزين بجائزة منظمة مراسلون بلا حدود

على غرار موريتانيا، تنص التشريعات الإيرانية على تطبيق عقوبة الإعدام على جرائم التجديف والردة. فقد حُكم على المصور سهيل العربي، الفائز بجائزة منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2017، بالسجن ثلاث سنوات مع 30 جلدة، قبل الحُكم عليه بالإعدام، ومن ثم تخفيف العقوبة إلى السجن سبع سنوات ونصف في 2015، على خلفية اتهامه بالتورط في شبكة معلومات على فيسبوك تعمل على إهانة الإسلام وانتقاد النظام. ويقبع هذا الصحفي-المواطن الإيراني وراء القضبان منذ أربع سنوات، حيث يتعرض لمختلف أشكال سوء المعاملة داخل السجن. وقد تدهورت صحته بشكل ملحوظ بدنياً ونفسياً، علماً أنه خاض مؤخراً إضراباً عن الطعام لمدة 52 يوماً.

وبدوره، يقبع المدون السعودي رائف بدوي، الفائز الآخر بجائزة منظمة مراسلون بلا حدود (2014)، خلف القضبان منذ خمس سنوات بتهمة "إهانة الإسلام"، حيث حُكم عليه بالسجن 10 سنوات و1000 جلدة، مع غرامة قدرها مليون ريال سعودي، بعد اتهامه بانتقاد الشرطة الدينية والسخرية منها على موقعه التفاعلي الذي يحمل اسم "الشبكة السعودية الليبرالية"، بالإضافة إلى منعه من مغادرة البلاد لمدة 10 سنوات بعد الإفراج عنه. وفي كلتا الحالتين، فإن الأحكام القضائية الصادرة غير متناسبة بتاتاً مع الوقائع المزعومة.

تهمة التجديف، أداة لتكميم الأصوات الناقدة

في معظم الحالات، يتبين أن هذه القوانين لا تتوخى حماية المقدسات بقدر ما تسعى إلى خلق وسيلة لخنق الأصوات المعارضة وقمع الصحفيين ومنع أي نقد للنظام القائم أو لدوائر السلطة، حيث غالباً ما تستخدم مفاهيم غامضة وفضفاضة كأدوات لإدانة جميع أشكال التعبير النابعة من تيارات معارضة أو جهة تمثل أقلية من الأقليات، كما يتضح من خلال قضية الصحفية السودانية شمائل النور، التي تعرضت لضغوط وانتقادات عنيفة حيث هُددت بمتابعة قضائية بتهمة الردة، وهي تهمة تحمل في طياتها عقوبة الإعدام في السودان، حيث تُطبَّق أحكام الشريعة منذ 1983. وتأتي هذه التهديدات على خلفية مقال رأي نُشر في صحيفة التيار شهر شباط/فبراير الماضي، حيث اعتبرت شمائل النور أن الأنظمة الإسلامية مهووسة "بقضايا الفضيلة أكثر من اهتمامها بقضايا الصحة والتعليم والمعاش".

يُذكر أن منظمة مراسلون بلا حدود كانت قد نشرت في 2013 تقريراً بعنوان "التجديف: الإعلام ضحية المذبح الديني"، حيث قدمت لمحة عامة عن هذه "الجريمة" وعواقبها التي تقع على كواهل الصحفيين في جميع أنحاء العالم، مسلطة الضوء على الخطر الذي ينطوي عليه هذا المفهوم عندما يُستخدم في سبيل تقييد حرية التعبير.

* قُتل أربعة مدونين بنغاليين بهذه الطريقة في الشارع خلال عام 2015 وحده